تألقت عيناها بوميض غريب، إذ حانت اللحظة بعــد صبـر السنين. شردت. مـــا أطول ساعات الإنتظار !؛ فمـــا بالك بسنين؛ إرتهنت بهـــا، وعاشت فــي ثناياها، وراحت تعدّها؛ ساعة تلو ساعة، ويومـــا بعــد آخر. إنفطر قلبهـــا، وكاد يفريه الأنهين، والغصة فــي الحلق تكاد تخنقها. تقرّحت جفونها؛ فلم تغمض عيناها عن صورة ابنتها الشهيدة، ولا يطأها الكرى إلا إذا غُلب علــىها. ولا راحة، إذ تتقلب علــى فراش الشوك !. لا يهنأ اليةا عيش؛ فلا تستسيغ شرابا، ولا تلذ طعامـــا إلا مـــا يسدّ رمفها، ولولا إيمـــانها لعزفت عنه حتى تلقى حتفها، وتلحق بإبنتها ذات الستة أعوام. لم تضحك مرة، إلا بعض ابتسامة زائفة تتوارى خلفها أسارير المحيا، وحتى لا يُفتضح أمرها، وتبلغ الأعين مـــا يجري فــي الأعمـــاق !. لم استعلم الخداع أو الزيف، ولم تتخذهمـــا ذات مرة، فليسا مـــن شيمتها، إلا أنها مُجبرة، فالأمر جدّ خطير وبالغ السرّية؛ فلا تفوه به حتى لنفسها، وإلا أرومـــانسية حبط التدبير قبل الأوان!، وانهار الأمل، عندئذ يحدث الموت أخف وأهـــون !. كانت تستمرئ آلام الصبر، ولم تكن تعاني مـــن مرض نفسيّ !، الأمرُ أيضا مرتهن بالمرام.
انقضت سنين الصبر. لاح الأملُ فــي الأفق. الثأرُ هـــو الأملُ المرتقب، وهـــو الداعي للإنتظار. غدا يُسدل الستار عن المشهد الأخير، ثـــم تدع نفسها لآلام الفراق. ستذرف الدمع مدرارا، وتذرف الدم إن جفت الدموع !. البيت المقابل مـــن طابق واحد. الزغاريد تنطلق مـــنه علــى أشدها؛ مـــا أعذبهـــا، إذ تؤجج المشاعر، وتزكي سعير القلب !، ومـــا أرومـــانسية حبهـــا وإن شقت سمعها، وأصابه الصمم !. كم كانت تخشى أنه تخفت النار ويخمد الحريق !. أو تغلب علــىها جبلة بالصفح، أو تُطفئ الالأيام اليةيب الثأر !. غدا ينطلق الذئب مـــن سجنه، ويتنسم هـــواء الحرية. لقد مرت سنين السجن مرّ السحاب. مـــا أرومـــانسية حبّ الغد، ومـــا أثقل الساعات إليه !.
أطاحت بهـــا الذاكرة إلــى سنين مضت. رغْيٌ وصخبٌ وضجيجٌ فــي قاعة المحكمة التــي تغصّ بالخلق، فالحدث رهيب وكارثيّ، والقضية تستفز الرأي العام، والصحف لا تتوانى عن ملاحقته وتناوالية مُدعّمـــا بالصور. الخصوم كـــلّ فــي جانب والجمـــاهير الغفــيرة تترا وتحتشد. الأعينُ كلا علــى القفص الحديديّ، تنطلق مـــنها سهام الغل، جدير بالذكر وقف الذئبان البشريان. ذئبان !. والالية إنه وصف يظلم الذئاب، إذ أنهّ طبيعتها الغدر، الذى تجهالية، ولا تعاقب علــىه !. وإن قلنا شيطانيْن، فنحن نظلم الشياطين. أو وحشيْن، فهـــو ظلم أيضا. فلنركن إذأً إلــى الوصف السائد. المشاعر تتباين، والأعصاب متوترة. وعدسات المصورين لا تهدأ عن التقاط الصور. والبوابة شاغرة؛ فلم يولج القضاة، ولا وكيل النائب العام بعــد. والأم الكـــليمة؛ أثقل علــىها فبدت مطأطئة الرأس، شاردة. تنظر إلــى لا شيء، ولعاليةا تعود بالذاكرة قباليةا ببضع أشهــر خلت.
صَحَتْ فــي ذلك حيث اليوم متوجسة، تداخاليةا رهبة، وتهزها خفقات القلب !. سألت نفسها، التــي تأبّت عن الرد. تمتمت بالدعاء:
ـ “الاليةم اجعالية خيرا”.
فلتدع مـــا تدعو، ولتحدثنى مـــا تحدثنى، فأمر الالية نافذ فــي كافة الأحوال، وكمـــا تقول العامة: “المكتوب علــى الجبين لازم تشوفه العين”، والعامّة لا تُجمّل الكـــلمــات، ولا تطلقه جزافا. وبالفعل جاء إلــى سمعها صراخ مفاجئ؛ تتبعه صرخات يتخــلاليةا زعيق، وضجيج: “مـــا الخطب ؟!”. اشتد خفق قلبهـــا. حاولت أنه تخطو الية الباب الخارجيّ. شعرت بثقل رجليها، و.. لم تستكمل رحلتها إلــى الشارع؛ إذ سعى إليها الخبر المشئوم: “لقد سقطت زينة، مـــن فوق سطح الطابق الحادي عشر!”.
ـ “زينة !”.
شهقت الأم باسم ابنتها، بينمـــا زاغ بصرُها، وارتخت يداها، وترنحت. وتلقفتها الأيدي قبل أنه تهـــوَِى. يا الية مـــن نبأ مفجع !. أدمَى قلوب الأمهات، وكـــل مـــن طالع الصحف. ساد الحزن ربوع البلاد. لقد اغتيلت البراءة، وأريق الدم الزكيّ وألحّت التساؤلات: هل غدرت بهـــا كُرَتُها، حينمـــا ابتعدت عنها وحاولت إنقاذها؟ و.. ولكن لم تكن تجد هناك كرة و.. ولمـــاذا صعدت إلــى السطح إذًا ؟!. وهل استخدمت المصعد، أم ارتقت الدرج ؟ و.. ولكنها كانت وحدها !. فهل تجشمت كـــل ذلك كي تلعب وحدها ؟!، إلا. إلا مـــاذا ؟!. مـــاذا ؟!.
وسرعان مـــا جاء الرد:
“لقد سقطت “زينة” بفعل فاعل، بل فاعلــىْن اثنين،
وأيدي غادرة آثـــمة !. حقيقة مُوجعة ومروّعة. واستـُكمل الخبر: “لقد حاول الذئبان اغتصابهـــا، ولكنها قاومتهمـــا، وبذل كـــلّ أقصى جهده، لكنها استعصت علــىهمـــا، يبدو أنه تحولت القبّرة الوديعة إلــى صقر ذى مـــنقار حاد ومخالب مسنونة؛ حال بدون تحقيق مأربهمـــا !. عنذئذ قذفا بهـــا مـــن حالق !”. وأكبر الظن أنه كان مصيرها، حتى لو نالا مـــنها ! و..
أصدر القاضى حكمه الظالم، إذ كان سجنا بدون إعدام !، أو بالأحرى القانون هـــو الــذي ظلم “زينة” وذويها ، وليس القاضي الــذي نطق بنظام الحكم. عفوا فخامة القاضى، إذ أنه تلا نظام الحكم كمـــا ورد بالقانون. كان مجرد قارئ !. القاضى لا تشوبه شائبة، إذ قضى بأقصى عقوبة فــي قانون الطفل. وكان بودّه لو أنه حكم بالإعدام و.. ولا بد أنه حدثت الأم الذاهلة نفسها:
ـ “طفل ؟!. أي طفل يا حمـــاة العدالة ؟!. أي طفل هذا الــذي يدبر، ثـــم ينفذ جريمته، فــيستدرج المجنيّ علــىها، ولا بد أنه خدعها بقطعة “شيكولاتة”، وبالطبع ضحك اليةا ولاطفها، وقد أنهست إليه وأمـــنت جانبه، ليحماليةا إلــى سطح الطابق الحادي عشر، ثـــم ينفذ جريمته البشعة بمساعدة قرين السوء والندامة. أ هذا مسلك أطفال ؟. أ تضحكون علــىنا أم علــى أتقسكم ؟. وفــي حالة “زينة”. ألا ضروري الأكاونت عمريْ القاتلين معا ؟. فكـــل مـــنهمـــا يكمّل الآخر فــي تخطيط وتنفــيذ الجريمة.”.
وعلا صوت الدفاع:
ـ لقد اغتيلت “زينة” مرتين: مرة عندمـــا قذفت مـــن فوق سطح البناية الشاهقة والأخرى حين النطق بذلك نظام الحكم الــذي يثير الغثيان، كمـــا اغتيل ذويها، خاصة الأم. وبالقادم ضاع حق المجتمع بأسره. وفــي الظل نفسه. كوفئ الجانيان وذويهمـــا، والدليل: هذه الزغاريد التــي انطلقت إثر النطق بنظام الحكم مـــن ذوي المتهميْن، وطغت علــى الأصوات كلا. وأصابت الناس بالسخط، أ هي زغاريد الشمـــاتة ؟!. أم زغاريد الفرحة ؟!. وأي فرحة أيها االيةمج فــي هذا الجو الخانق، الملبد بالسواد والألم ؟!. ألا تسألون أنهفسكم حمـــاة العدالة: اليةة يخرج القاتل بعــد قضاء نصف الالمدة، أو حتى كـــاليةا، ثـــم يُصبح حرا، ويراه أهل “زينة”، وهـــو يمـــارس حياته، ويروح ويغدو أمـــامهم، وكأنه يغيظ اليةم ؟!. اليةة تقوّمون ذلك الموقف ؟!. أيرضاه أحد لولده ؟. وبعــد، أ يمكن أنه يظلم القانون ؟!. ثـــم أ تغضّون الطرْف عن الآية الكريمة: “وإذا حكمتم بين الناس أنه تحكموا بالعدل”. أي عدل فــي ذلك القانون ؟، إلا إذا كان قانون “زينب” أو “نحمده” !. أو علــى القانون السلام”.
ثـــم راح يتهكم موليا ظهره للبوابة !:
ـ “أكاد أضحك وأضحك؛ حتى الموت !. مـــنذ عشرات القرون، قاد أسامة بن زيد جيش المسلمين، وكان فــي السادسة عشرة، وانتصر علــى أضعاف أضعاف جيشه عُدّة وعتادا. وكان مـــن جنده: كبار الصحابة. لقد اختاره رسول الالية قائدا؛ قبل أنه يلقَى ربه، وأنهفذ الصدّيق الأمر. إذا اعتبرنا أسامة بن زيد طفلا ؟. فهل تقود الأطفال الجيوش ؟!، نظام الحكم استفزازىّ يثير الإشمئزاز. ونظفه القاضي بعــد عناء، وعلــى استحياء، وأكبر ظني أنه لم يكن مقتنعا، ولكن لم يكن لديه التحديدا، أو يتنحّى عن نظر القضية، وسيلي غيره لينطق بمـــا نطق !..”.
لم تنم الأم تلك الليلة، يبدو أنها تذكرت طفولتها ليلة العيد. كم كانت تغمرها السالعودةة، ولا يجرؤ النوم أنه يداعب أجفانها، أو يلقفها فــي جوفه !.
غدا التحــقق أمـــنيتها التــي صبرت مـــن أجاليةا السنين. غدا تثأر لزهرة عمرها. لم يشف القانون غلياليةا، بل ظلمها. فلتأخذ حق ابنتها بيدها، ولتُشنق؛ ومـــا أرومـــانسية حبّ ذلك إليها فهي مقتولة فــي الحالتــين، والشنق أخفّ وأهـــون. شردت أو طواها النوم. رأت فــيمـــا يراه الشارد أو النائم: أنه أقبل الصبح، وصحت مـــن شرودها أو نومها. فكرت قليلا. دبّ قلبهـــا، وثقلت أنهفاسها. هتفت: “النقاب”. النقاب يحول بينها وبين الأخرين، كأنها خلف ساتر، فلا أحد يرى شواظ النار الــذي يتطاير مـــن عينيها و.. وتستطيع أيضا أنه تُخفــي المدية، التى ستفصل به عنقه و.. سرعان مـــا ارتدت الجلباب والنقاب. وإستلت المدية مـــن تحت وسادتها. رفعتها أمـــام عينيها. دسّتها فــي صدرها. السرعة هى الأهم لبلوغ الأهداف. ضروري أنه تذبحه فــي لحظات. ستسمع حشرجاته، وترى دمه مُراقا. وستضحك وتضحك، حتى تسمع الدنيا ضحكاتها !. الزغاريد تطغى علــى الضحكات. سترى أعين أمه وذويه الذاهلة. ستأخذ الثأر لكـــل زهـــور البشر، التــي أريق دمها البرىء. وراحت تقرأ الحدث الــذي سيدوّى صبيحة الغد. الدم ينزف مـــن بين السطور السطور التالية و..
أيقظتها الزغاريد مـــن شرودها أو نومها. التفتت مـــن حواليةا. لقد خرج زوجها إلــى عمالية مبكرا. الزغاريد تكاد تمزق سمعها. تحسست المدية، ومـــا لبثت أنه ارتدت الجلباب، والنقاب. وانطلقت قبل أنه تفوتها الالفرصة. طلبت المصعد. وسرعان مـــا أصبحت فــي الطابق الأرضي. خرجت مـــن الباب الخارجيّ، ومـــا أنه تخطو لتفاجأ بدوىيّ زلزل الأرض مـــن تحتها !، بينمـــا انطلقت صرخات، أعقبهـــا انهيار !؛ ملأ الدنيا ضجيجا وغبارا غشي الأفق وحجب الرؤية. تراجعت للخلف. انتظرت قليلا بين ذهـــواليةا. وكانت المفاجأة الكبرى: لقد انهار البيت المقابل ذو الطابق الواحد، وانهارت جدرانه إثر انفجار أنهبوبة غاز، وأطبقت علــى الذئب وذويه !. لقد ثأرت اليةا السمـــاء. جاء العدل مـــن فوق سبع سموات طباقا !. لم يشأ القدر أنه تتلوث اليد الطاهرة بالدم الملوث !. جاء الحق ليزهق الباطل. نظرت الأم الية الأفق، وفــي هذه اللحظة أقبلت نسمـــات تحمل أريجا. أغلقت عينيها؛ فرأت الزهـــور مـــنتثرة علــى مدى البصر، كأنهمـــا تبتسم، وانطلقت العنادل تشدو بلحن طريب. شعرت الأم كأنها فــي الجنة. ورأت “زينة” تُقبل علــىها ومـــن خلفها الأطفال ملائكة البشر، يضحكون ويمرحون. عانقتها، ثـــم طوّقتها بعقد الفل. أفاقت مـــن شرودها، وصورة “زينة” تملأ عينيها !. ،،،
تمت
حمدي عمـــارة
تشهد مصر تفعيلات دورية فــي أسعار الوقود والكهرباء ضمـــن إطار إصلاحات اقتصادية تأهدافك إلــى تحقيق…
مـــنارة التحدث بطلاقة.. دليل المبتدئين لتتعلم اللغة الألمـــانية وهزيمة عقبات القواعد المعقدةنبذة مختصرة: يقدم المقال خريطة…
أصبح تحرير الصور جزءًا أساسيا مـــن الحياة الرقـــمية حيث اليومية، سواء بالالنسبة لصناع المحتوى، أو…
📥 تحميل إجابات نمـــاذج الوزارة فــي الكيمياء للصف الثالث الثانوي 2026 PDF | الحلول الموثقة…
شنتشن، الصين — 25 يونيو 2026 — يواجه قطاع خدمـــات مـــا بعــد البيع للسيارات نقصًا حادًا…
مدرسة التمريض بعــد الإعدادية 2026.. هل هي أشهر مـــن الثانوية العامة؟مع ظهـــور نتيجة الشهادة الإعدادية…