حكاية إبن التّاجر وكيس المرجان
مـــن أدب نظام الحكمة
إنّ بعض الظن إثـــم
يحكى عن فتى مـــن العرب ﻛﺎﻥ ﻭﺍﻟﺪﻩ ثريا مـــن تجّار اﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻭﺍﻟﻴﺎﻗﻮﺕ، ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟفتى ﻳﺆﺛﺮ أصدقائه علــى نفسه ،ﻭﻫﻢ ﺑﺪﻭﺭﻫﻢ يرومـــانسية حبّونه لإخلاصه وكرمه معهم . ﺩﺍﺭﺕ ﺍﻷﻳﺎﻡ ،وغرق أحد المراكب التــي يتاجر علــىها أباه بمـــا علــىها مـــن نفائس ولم يحتمل التاجر ضياع ثروته ،فمرض، ﻭ لزم الفراش ،و أنهفقوا مـــا بقي مـــن مـــال علــى علاجه حتى لم يبق عندهم شيئ، وفقروا فقرا ﺷﺪﻳﺪﺍً ،فتـــحامل الفتى علــى نفسه ،وقرّر الذّهاب لأصدقاء المـــاضي ليلتمس مـــنهم المساعدة علم ﺃﻥّ ﺃﻋﺰّ أصحابه ﻭﺃﻛﺜﺮﻫﻢ ﻣﻮﺩّﺓً الية ﻗﺪ ﺃﺛﺮﻯ ﺛﺮﺍﺀ ﻻ ﻳﻮﺻﻒ ،ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻘﺼﻮﺭ ﻭﺍﻷﻣﻼﻙ ،ﻓﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﻋﺴﻰ ﺃﻥ ﻳﺠﺪ ﻋﻨﺪﻩ ﻋﻤﻼً ﺃﻭ ﺳﺒﻴﻼً لإﺻﻼﺡ ﺣﺎﻟﻪ ..
ﻓﻠﻤّﺎ ﻭﺻﻞ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﺍﺳﺘﻘﺒﻠﻪ ﺍﻟﺨﺪﻡ ﻭﺍﻟﺤﺸﻢ، ﻓﺬﻛﺮ ﻟﻬﻢ ﺻﻠﺘﻪ ﺑﺼﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪّﺍﺭ ﻭﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﻣﻮﺩّﺓ ﻗﺪﻳﻤﺔ، ﻓﺬﻫﺐ ﺍﻟﺨﺪﻡ ﻓﺄﺧﺒﺮﻭﺍ سيّدهم ﺑﺬﻟﻚ ،ﻓﻨﻈﺮ ﻣﻦ ﺧﻠﻒ ﺳﺘﺎﺭ ﻟﻴﺮﻯ ﺷﺨﺼﺎ ﺭﺙ ﺍﻟﺜﻴﺎﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﻔﻘﺮ، ﻓﻠﻢ ﻳﺮﺽ ﺑﻠﻘﺎﺋﻪ، وطلب مـــن ﺍﻟﺨﺪﻡ ﺑﺄﻥ يصرفوه .ﻓرجع الفتى وقد أخذت مـــنه الدّهشة مأخذها ،و تألم علــى موت ﺍﻟﺼﺪﺍﻗﺔ ، وذهاب القيم ،ﻭﺗﺴﺎﺀﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻀّﻤﻴﺮ ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ يفنى ﻭﻛﻴﻒ ﻟﻠﻤﺮﻭﺀﺓ ﺃﻥ ﻻ ﺗﺠﺪ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ ﻓﻲالنّفوس.
مشى مـــنكسرا ذليلا ،فصادف فــي الية عودته ﺛﻼﺛﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺮّﺟﺎﻝ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﺤﻴﺮﺓ، ﻭﻛﺄﻧّﻬﻢ ﻳﺒﺤﺜﻮﻥ ﻋﻦ ﺷﻲﺀ ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ ﻣﺎ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻘﻮﻡ ؟ ﻗﺎﻟﻮﺍ ﻟﻪ :ﻧﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺭﺟﻞ ﻳﺪﻋﻰ ﻓﻼﻥ ،ﻭﺫﻛﺮﻭﺍ ﺍﺳﻢ ﻭﺍﻟﺪﻩ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ إنّه أبي،وهـــو مريض، ولا علاج الية، فحوقل ﺍﻟﺮّﺟﺎﻝ، ﻭﺗﺄﺳّﻔﻮﺍ علــى مصابه،ﻭﺫﻛﺮﻭﺍ ﺃﺑﺎﻩ ﺑﻜﻞّ ﺧﻴﺮ ،ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ ﻟﻪ: إﻥّ ﺃﺑﺎﻙ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﺎﺟﺮ ﺑﺎﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ،ﻭﻟﻪ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻗﻄﻊ ﻧﻔﻴﺴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺟﺎﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺗﺮﻛﻬﺎ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﺃﻣﺎﻧﺔ ،ﻓﺎﺧﺮﺟﻮﺍ ﻛﻴﺴﺎ ﻛﺒﻴﺮﺍً مملوءا ﻣﺮﺟﺎﻧﺎ، ﻓﺪﻓﻌﻮﻩ ﺇﻟﻴﻪ ،ﻭﺭﺣﻠﻮﺍ ،ﻭﺍﻟﺪّﻫﺸﺔ ﺗﻌﻠﻮ وجهه، ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﺼﺪّﻕ ﻣﺎ ﻳﺮﻯ ﻭﻳﺴﻤﻊ ..
ﻭﻟﻜﻦ ﺗﺴﺎﺀﻝ ﻣﻦ ﻳﺸﺘﺮﻱ ﺍﻟﻤﺮﺟﺎﻥ، ﻓﺈﻥّ ﻋﻤﻠﻴّﺔ ﺑﻴﻌﻪ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ استخراج ودراية ،ﻭﺍﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ ﺑﻠﺪﺗﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻬﻢ ﻣﻦ يعرف شيئا عن أسواقه ،ﻣﻀﻰ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻪ محتارا، ﻭﺑﻌﺪ ﺑﺮﻫﺔ ﺻﺎﺩﻑ ﺇﻣﺮﺃﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮ، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ ﻳﺎ ﺑﻨﻲّ دلني عن أشهر مـــن يبيع المجوهرات ﻓﻲ ﺑﻠﺪﺗﻜﻢ، ﻓﺘﺴﻤّﺮ ﺍﻟفتى ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﻪ،ثـــمّ سأاليةا ﻋﻦ ﺃﻱّ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻮﻫﺮﺍﺕ تبحثين ؟ ﻓﻘﺎﻟﺖ أريد شيئا رائعا و ثـــمينا، وليس المهمّ نوعه. ﻓﺴﺄﻟﻬﺎ هل يعجبك ﺍﻟﻤﺮﺟﺎﻥ ؟
ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻟﻪ خير الأحجار الكريمة، ﻓﺄﺧﺮﺝ ﺑﻀﻊ ﻗﻄﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻴﺲ، ﻓﺎﻧﺪﻫﺸﺖ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ لجودتها، ﻓﺎﺑﺘﺎﻋﺖ ﻣﻨﻪ كـــلّ مـــا قدّمه اليةا،ووعدته ﺑﺄﻥ ﺗﻌﻮﺩ ﻟﺘﺸﺘﺮﻱ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻤﺰﻳﺪ ،ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻋﺎﺩﺕ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺇﻟﻰ ﻳﺴﺮ ،وبدأت تجارته ﺗﻨﺸﻂ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ .ﻓﺘﺬﻛّﺮ ﺑﻌﺪ ردح مـــن ﺍﻟﺰّﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ الــذي نسي ﺣﻖّ ﺍﻟﺼّﺪﺍﻗﺔ ،ﻓﺒﻌﺚ ﻟﻪ ﺒﻴﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺸّﻌﺮ يؤنّبه علــى فعلته معه ،ﺟﺎﺀ ﻓﻴﻬﻤﺎ:
ﺻﺤﺒﺖ ﻗﻮﻣﺎ ﻟﺌﺎﻣﺎ ﻻ ﻭﻓﺎﺀ ﻟﻬﻢ
ﻳﺪﻋﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺭﻯ ﺑﺎﻟﻤﻜﺮ ﻭﺍﻟﺤﻴﻞ
ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﺠﻠﻮﻧﻨﻲ ﻣﺬ ﻛﻨﺖ ﺭﺏ ﻏﻨﻰ
ﻭﺣﻴﻦ ﺍﻓﻠﺴﺖ ﻋﺪّﻭﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﻞ
ﻓﻠﻤﺎ ﻗﺮﺃ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼّﺪﻳﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﺑﻴﺎﺕ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻭﺭﻗﺔ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺑﻴﺎﺕ، ﻭﺑﻌﺚ ﺑﻬﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺟﺎﺀ ﻓﻴﻬﺎ :
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻗﺪ ﻭﺍﻓﻮﻙ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻲ
ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺳﺒﺒﺎ ﺍﻻ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﻞ
ﺃﻣّﺎ ﻣﻦ ﺍﺑﺘﺎﻋﺖ ﺍﻟﻤﺮﺟﺎﻥ ﻭﺍﻟﺪﺗﻲ
ﻭﺍﻧﺖ ﺃﺧﻲ ﺑﻞ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻣﻠﻲ
ﻭﻣﺎ ﻃﺮﺩﻧﺎﻙ ﻣﻦ ﺑﺨﻞ ﻭﻣﻦ ﻗﻠﻞ
ﻟﻜﻦ ﻋﻠﻴﻚ ﺧﺸﻴﻨﺎ ﻭﻗﻔﺔ ﺍﻟﺨﺠﻞ
كان كيس المرجان والمرأة مـــن صنيع صديقه ليردّ الوفاء الية بدون ان يراق مـــاء وجهه بالسؤال ..
…
لا تسئ الظن دائمـــا بمـــن حولك ،فإن بعض الظن إثـــم