قبل أنه يولد قوم نوح عاش خمسة رجال صالحين مـــن أجداد قوم نوح، عاشوا زمـــنا ثـــم مـــاتوا، كانت أسمـــاء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعــد موتهم صنع الناس اليةم تمـــاثيل فــي مجال
الذكرى والتكريم، ومضى الظل.. ومـــات الــذين نحتوا التمـــاثيل.. وجاء أبنائهم.. ومـــات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثـــم نسجت قصصا وحكايات حول التمـــاثيل تعزو اليةا قوة خاصة.. واستغل إبليس الالفرصة، وأوهم الناس أنه هذه تمـــاثيل آاليةة تملك النفع وتقدر علــى الضرر.. وبدأ الناس يعببدون هذه التمـــاثيل.
كان نوح علــى الفطرة مؤمـــنا بالالية تعإلــى قبل بعثته إلــى الناس. وكـــل الأنهبياء مؤمـــنون بالالية تعإلــى قبل بعثتهم. وكان كثير الشكر لالية عزّ وجلّ. فاختاره الالية لحمل رسائل. فخرج نوح علــى قومه وبدأ دعوته:
يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
بهذه الجملة الموجزة وضع نوح قومه أمـــام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. تجد هناك إالية خالق وهـــو وحده الــذي يستحق العبادة.. وتجد هناك موت ثـــم بعث ثـــم يوم للقيامة. يوم عظيم، فــيــه عذاب يوم عظيم.شرح “نوح” لقومه أنه يستحيل أنه يحدث تجد هناك غير إالية واحد هـــو الخالق. أفهمهم أنه الشيطان قد خدعهم زمـــنا طويلا، وأنه الظل قد جاء ليتوقف هذا الخداع، حدثهم نوح عن تكريم الالية للإنسان. اليةة خلقه، ومـــنحه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة الأصنام غير ظلم خانق للعقل.
تحرك قوم نوح فــي اتجاهين بعــد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وانحنت علــى جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أمـــا الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين الشك… ولمـــا كانوا يستفــيبدون مـــن بقاء الأوضاع علــى مـــا هي علــىه.. فقد بدءوا حربهم ضد نوح.
فــي الخطوة الأولى اتهموا نوحا بأنه بشر مثاليةم:
فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا
قال تفسير القرطبي: الملأ الــذين كفروا مـــن قومه هم الرؤساء الــذين كانوا فــي قومه. يسمون الملأ لأنهم مليئون بمـــا يقولون.
قال هؤلاء الملأ لنوح: أنهت بشر يا نوح.
رغم أنه نوحا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والالية يرسل إلــى الأرض رسولا مـــن البشر، لأنه الأرض يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الالية رسولا مـــن الملائكة.. استمرت الحرب بين الكافرين ونوح.
فــي الخطوة الأولى، تصور الكفرة يومها أنه دعوة نوح لا تلبث أنه تنطفئ وحدها، فلمـــا وجدوا الدعوة تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا االيةجوم علــى نوح مـــن هذه الناحية. هاجموه فــي أتباعه، وقالوا الية: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.
هكذا اندلع الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ الــذين كفروا إلــى المساومة. قالوا لنوح: اسمع يا نوح. إذا أردت أنه نؤمـــن لك فاطرد الــذين آمـــنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أنه تضمـــنا دعوة واحدة مع هؤلاء.
واستمع نوح إلــى كفار قومه وأدرك أنهم يعانبدون، ورغم ذلك كان طيبا فــي رده. أفهم قومه أنه لا يستطيع أنه يطرد المؤمـــنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنمـــا هم ضيوف الالية.. وليست الرحمة بيته الــذي يولج فــيــه مـــن يشــاء أو يطرد مـــنه مـــن يشــاء، إنمـــا الرحمة بيت الالية الــذي يستقبل فــيــه مـــن يشــاء.
كان نوح يناقش كـــل حجج الكافرين بمـــنطق الأنهبياء الكريم الوجيه. وهـــو مـــنطق الفكر الــذي يجرد نفسه مـــن الكبرياء الشخصي وهـــوى المصالح المعلنـــة.
قال اليةم إن الالية قد آتاه رسائل والنبوة والرحمة. ولم يروا هم مـــا آتاه الالية، وهـــو بالقادم لا ضروريرهم علــى الإيمـــان برسالته وهم كارهـــون. إن كـــلمة لا إالية إلا الالية لا تفرض علــى أحد مـــن البشر. أفهمهم أنه لا يطلب مـــنهم مقابلا لدعوته، لا يطلب مـــنهم مـــالا فــيثقل علــىهم، إن أجره علــى الالية، هـــو الــذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أنه يطرد الــذين آمـــنوا بالالية، وأنه الية حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمـــنين لسببين: أنهم سيلقون الالية مؤمـــنين به فاليةة يطرد مؤمـــنا بالالية؟ ثـــم أنه لو طردهم لخاصموه عند الالية، ويجازي مـــن طردهم، فمـــن الــذي ينصر نوحا مـــن الالية لو طردهم؟ وهكذا انتهى نوح إلــى أنه مالطلبةة قومه الية بطرد المؤمـــنين جهل مـــنهم.
والعودة نوح يقول اليةم أنه لا يدعى لنفسه أكثر ممـــا الية مـــن حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لالية عز وجل، فهـــو لا يدعي لنفسه مـــا ليس الية مـــن خزائن الالية، وهي إنعامه علــى مـــن يشــاء مـــن عباده، وهـــو لا يعلم الغيب، لأنه الغيب علم اختص الالية تعإلــى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. بمعنى أنه مـــنزلته ليست كمـــنزلة الملائكة.. قال اليةم نوح: إن الــذين تزدري أعينكم وتحتقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمـــنين الــذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لاحتقاركم اليةم، الالية أعلم بمـــا فــي أنهفسهم. هـــو الــذي يجازيهم علــىه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الالية لن يؤتيهم خيرا.
وسئم الملأ يومها مـــن هذا الجدل الــذي يجادالية نوح.. حكى الالية موقفهم مـــنه فــي سورة (هـــود):
قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) (هـــود)
أضاف نوح إغواءهم إلــى الالية تعإلــى. تسليمـــا بأنه الالية هـــو الفاعل فــي كـــل حال. غير أنهم استحقوا الضلال بموقفهم الالتحديدي وملئ حريتهم وكامل إرادتهم.. فالإنسان صانع لأفعاالية ولكنه محتاج فــي صدورها عنه إلــى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاالية. كـــل مـــا فــي الأمر أنه الالية ييسر كـــل مخلوق لمـــا خلق الية، سواء أكان التــيسير إلــى الخير أم إلــى الشر.. وهذا مـــن تمـــام الحرية وكمـــااليةا. يختار الإنسان بحريته فــييسر الية الالية تعإلــى الية مـــا اختاره. اختار كفار قوم نوح الية الغواية فــيسره الالية اليةم.
وتستمر المعركة، وتطول المـــناقشة بين الكافرين مـــن قوم نوح وبينه إذا انهارت كـــل حجج الكافرين ولم يعد لديهم مـــا يقال، بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الالية:
قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) (الأعراف)
ورد علــىهم نوح بأدب الأنهبياء العظيم:
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62) (الأعراف)
ويستمر نوح فــي دعوة قومه إلــى الالية. ساعة بعــد ساعة. ويومـــا بعــد يوم. وعامـــا بعــد عام. ومرت الأعوام ونوح يدعو قومه. كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب اليةم الأمثال. ويشرح اليةم الآيات ويبين اليةم قدرة الالية فــي الكائنات، وكـــلمـــا دعاهم إلــى الالية فروا مـــنه، وكـــلمـــا دعاهم ليغفر الالية اليةم جعلوا أصابعهم فــي آذانهم واستكبروا عن سمـــاع الحق. واستمر نوح يدعو قومه إلــى الالية ألف سنة إلا خمسين عامـــا.
وكان يلاحظ أنه مجموعة المؤمـــنين لا يزيد، بينمـــا يزيد مجموعة الكافرين. وحزن نوح غير أنه لم يفقد الأمل، وظل يدعو قومه ويجاداليةم، وظل قومه علــى الكبرياء والكفر والتبجح. وحزن نوح علــى قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو أنه أعمـــار الناس قبل الطوفان كانت طويلة، وربمـــا يحدث هذا العمر الطويل لنوح معجزة خاصة الية.
وجاء يوم أوحى الالية إليه، أنه لن يؤمـــن مـــن قومك إلا مـــن قد آمـــن. أوحى الالية إليه ألا يحزن علــىهم. ساعتها دعا نوح علــى الكافرين بااليةلاك:
وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) (نوح)
برر نوح دعوته بقوالية:
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (26) (نوح)
ثـــم أصدر الالية تعإلــى حكمه علــى الكافرين بالطوفان. أخبر الالية تعإلــى عبده نوحا أنه سيصنع سفــينة (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي بعلم الالية وتعلــىمه، وعلــى مرأى مـــنه وطبقا لتوجيهاته ومساعدة الملائكة. أصدر الالية تعإلــى أمره إلــى نوح: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) يغرق الالية الــذين ظلموا مهمـــا كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الالية نبيه أنه يخاطبه أو يتوسط اليةم.
وبدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع مـــنه السفــينة. انتظر سنوات، ثـــم قطع مـــا زرعه، وبدأ نجارته. كانت سفــينة عظيمة الطول والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون فــي حجمها، وهيئتها، ومجموعة طبقاتها، والمدة عماليةا، والمكان الــذي عملت فــيــه، ومقدار طواليةا، وعرضها، علــى أقوال متعارضة لم يصح مـــنها شيء. وقال الفخر الرازي فــي هذا كـــالية: أعلم أنه هذه المباحث لا تعجبني، لأنه أمور لا حاجة إلــى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. نحن نتفق مع الرازي فــي مقولته هذه. فنحن لا نعرف عن حقيقة هذه السفــينة إلا مـــا حدثنا الالية به. تجاوز الالية تعإلــى هذه التفصيلات التــي لا أهمية اليةا، إلــى مضمون القصة ومغزاها المهم.
بدأ نوح يبني السفــينة، ويمر علــىه الكفار فــيرونه مـــنهمكا فــي صنع السفــينة، والجفاف سائد، وليست تجد هناك أنهار قريبة أو بحار. اليةة ستجري هذه السفــينة إذن يا نوح؟ هل ستجري علــى الأرض؟ أين المـــاء الــذي يمكن أنه تسبح فــيــه سفــينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع ضحكات الكافرين وتزداد سخريتهم مـــن نوح. وكانوا يسخرون مـــنه قائلين: صرت نجارا بعــد أنه كنت نبيا!
إن قمة الصراع فــي قصة نوح تتجلى فــي هذه المساحة الزمـــنية، إن الباطل يسخر مـــن الحق. يضحك علــىه طويلا، متصورا أنه الدنيا ملكه، وأنه الأمـــن نصيبه، وأنه العذاب غير واقع.. غير أنه هذا كـــالية مؤقت بموعد حلول الطوفان. عندئذ يسخر المؤمـــنون مـــن الكافرين، وتكون سخريتهم هي الحق.
انتهى صنع السفــينة، وجلس نوح ينتظر ظلاً آخر أمر الالية. أوحى الالية إلــى نوح أنه إذا فار التنور هذا علامة علــى بدء الطوفان. قيل فــي تفسير التنور أنه بركان فــي المـــنطقة، وقيل أنه الفرن الكائن فــي بيت نوح، إذا خرج مـــنه المـــاء وفار كان هذا أمرا لنوح بالحركة.
وجاء حيث اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح يفتـــح سفــينته ويدعو المؤمـــنين به، وهبط جبريل علــىه السلام إلــى الأرض. حمل نوح إلــى السفــينة مـــن كـــل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، بقرا وثورا، فــيلا وفــيلة، عصفورا وعصفور، نمرا ونمرة، إلــى آخر المخلوقات. كان نوح قد صنع أقفاصا للوحوش وهـــو يصنع السفــينة. وساق جبريل علــىه السلام أمـــامه مـــن كـــل زوجين اثنين، لضمـــان بقاء نوع الحيوان والطير علــى الأرض، وهذا معناه أنه الطوفان أغرق الأرض كـــاليةا، فلولا ذلك مـــا كان تجد هناك معنى لحمل هذه الأنهواع مـــن الحيوان والطير. وبدأ صعود السفــينة. صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد مـــن آمـــن بنوح، وكان مجموعة المؤمـــنين قليلا.
لم تكن زوجة نوح مؤمـــنة به فلم تصعد، وكان أحد أبنائه يخفــي كفره ويبدي الإيمـــان أمـــام نوح، فلم يصعد هـــو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمـــنة هي الأخرى، فلم تصعد. وصعد المؤمـــنون. قال ابن عباس، رضي الالية عنهمـــا: آمـــن مـــن قوم نوح ثـــمـــانون إنسانا.
ارتفعت المياه مـــن فتـــحات الأرض. انهمرت مـــن السمـــاء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثاليةا الأرض. فالتقت أمطار السمـــاء بمياه الأرض، وصارت ترتفع ساعة بعــد ساعة. فقدت البحار هدوئها، وانفجرت أمواجها تجور علــى اليابسة، وتكتسح الأرض. وغرقت الكرة الأرضية للمرة الأولى فــي المياه.
ارتفعت المياه أعلــى مـــن الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض كـــالية. وفــي بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل مـــنه. ويحكي لنا المولى عز وجل الحوار القصير الــذي دار بين نوح علــىه السلام وابنه قبل أنه يحول بينهمـــا الموج فجأة.
نادى نوح ابنه قائلا: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ
ورد الابن علــىه: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء
العودة نوح يخاطبه: قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ
وانتهى الحوار بين نوح وابنه:
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
انظر إلــى تعبير القرآن الكريم (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أنهى الموج حوارهمـــا فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج التــي ترتفع وترفع معها السفــينة، وتفقدها رؤية كـــل شيء غير المياه. وشــاءت رحمة الالية أنه يغرق الابن بعيدا عن عين الأب، رحمة مـــنه بالأب، واعتقد نوح أنه ابنه المؤمـــن تصور أنه الجبل سيعصمه مـــن المـــاء، فغرق.
واستمر الطوفان. استمر يحمل سفــينة نوح. بعــد ساعات مـــن بدايته، كانت كـــل عين تطرف علــى الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا مـــن الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي مـــن سفــينة نوح، وهـــو ينطوي علــى الخلاصة المؤمـــنة مـــن أهل الأرض. وأنهواع الحيوانات والطيور التــي اختيرت بعناية. ومـــن الصعب حيث اليوم تصور هـــول الطوفان أو عظمته. كان شيئا مروعا يدل علــى قدرة الخالق. كانت السفــينة تجري بهم فــي موج كالجبال. ويعتقد بعض العلمـــاء المتميزخوليا حيث اليوم إن انفصال القارات وتشكـــل الأرض فــي صورتها الحفيه، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت فــيــه المياه ثورة غير مفهـــومة. حتى غطت سطح الجزء اليابس مـــن الأرض، وارتفعت فــيــه قيعان المحيطات ووقع فــيــه مـــا نستطيع تسميته بالثورة الجغرافــية.
استمر طوفان نوح زمـــنا لا نعرف مقداره. ثـــم صدر الأمر الإاليةي إلــى السمـــاء أنه تكف عن الإمطار، وإلــى الأرض أنه تستقر وتبتلع المـــاء، وإلــى أخشاب السفــينة أنه ترسو علــى الجودي، وهـــو اسم مكان قديم يقال أنه جبل فــي العراق. طهر الطوفان الأرض وغساليةا. قال تعإلــى فــي سورة (هـــود):
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) (هـــود)
(وَغِيضَ الْمَاء) بمعنى نقص المـــاء وانصرف عائدا إلــى فتـــحات الأرض. (وَقُضِيَ الأَمْرُ) بمعنى أنه أحكم وفرغ مـــنه، يعني هلك الكافرون مـــن قوم نوح تمـــامـــا. ويقال أنه الالية أعقم أرحامهم أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فــيمـــن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) بمعنى رست علــىه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نوح، وأمر مـــن معه بصيامه. (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا اليةم. طهر الطوفان الأرض مـــنهم وغساليةا. ذهب االيةـــول بذهاب الطوفان. وانتقل الصراع مـــن الموج إلــى نفس نوح.. تذكر ابنه الــذي غرق.
لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أنه ابنه كافر. كان يتصور أنه مؤمـــن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلــى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهمـــا قبل أنه يحصل.. فلم يعرف نوح حظ ابنه مـــن الإيمـــان. تحركت فــي قلب الأب عواطف الأبوة. قال تعإلــى فــي سورة (هـــود):
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) (هـــود)
أراد نوح أنه يقول لالية أنه ابنه مـــن أهالية المؤمـــنين. وقد وعده الالية بنجاة أهالية المؤمـــنين. قال الالية سبحانه وتعإلــى، مطلعا نوحا علــى حقيقة ابنه للمرة الأولى:
يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هـــود)
قال القرطبي -انتقالا عن شيوخه مـــن العلمـــاء- وهـــو الرأي الــذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نوح- مؤمـــنا فــي ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أنه يسأل هلاك الكفار، ثـــم يسأل فــي إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسرّ الكفر ويظهر الإيمـــان. فأخبر الالية تعإلــى نوحا بمـــا هـــو مـــنفرد به مـــن علم الغيوب. أي علمت مـــن حال ابنك مـــا لم تتعلمه أنهت. وكان الالية حين يعظه أنه يحدث مـــن الجاهلين، يريد أنه يبرئه مـــن تصور أنه يحدث ابنه مؤمـــنا، ثـــم يهلك مع الكافرين.
وثـــمة درس مهم تنطوي علــىه الآيات الكريمة التــي تحكي قصة نوح وابنه. أراد الالية سبحانه وتعإلــى أنه يقول لنبيه الكريم أنه ابنه ليس مـــن أهالية، لأنه لم يؤمـــن بالالية، وليس الدم هـــو الصلة الحقيقية بين الناس. ابن النبي هـــو ابنه فــي العقيدة. هـــو مـــن يتبع الالية والنبي، وليس ابنه مـــن يكفر به ولو كان مـــن صلبه. تجد هنا ينبغي أنه يتبرأ المؤمـــن مـــن غير المؤمـــن. وتجد هنا أيضا ينبغي أنه تتصل بين المؤمـــنين صلات العقيدة فحسب. لا اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض.
واستغفر نوح ربه وتاب إليه ورحمه الالية وأمره أنه يهبط مـــن السفــينة محاطا ببركة الالية ورعايته. وهبط نوح مـــن سفــينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت فــي الأرض، نزل المؤمـــنون بعــد ذلك. ولا يحكي لنا القرآن الكريم قصة مـــن آمـــن مع نوح بعــد نجاتهم مـــن الطوفان.
تحميل كتاب الأضواء دراسات اجتمـــاعية بالصف السادس الابتدائي الترم الأول 2027 PDF أحدث إصدار |…
📕 تحميل كتاب الامتحان علوم للصف الأول الإعدادي الترم الأول 2027 PDF أحدث نسخة مجانية…
📥 تحميل كتاب الأضواء دراسات اجتمـــاعية بالصف الرابع الابتدائي الترم الأول 2027 PDF أحدث إصدار…
يعتقد العديد مـــن الناس أنه الاستثـــمـــار العقاري يحتاج إلــى ثروة عديدة أو ملايين الدولارات للبدء،…
العنوان: قبل الحصة الأولى: أسرار تنشر لأول مرة مـــن خلف أسوار فــي المدرسة نص المقال التمهيدي: هل تساءلت…
تحميل كتاب الأضواء دراسات اجتمـــاعية بالصف الرابع الابتدائي الترم الأول 2027 PDF أحدث إصدار |…