ادعية اسلامية

استعلم علــى المعنى الحقيقي للإسلام

يسألونك عن الإسلام، قل هـــو الدين الأزلي الأبدي، القديم السرمد، الحديث الخالد، الــذي رضيه الالية لعباده مـــنذ عمروا الأرض إلــى أنه ترتكز الساعة. هـــو السلسلة الذهبية المتمـــاسكة الحلقات: أمسك بأحد طرفــيــها آدم أو الشر وأول الأنهبياء، وأمسك بظرفها الآخر محمد صلى الالية علــىه وسلم خاتم المرسلين، وقام الأنهبياء والمرسلون صلوات الالية علــىهم مـــن بينهمـــا يمسك كـــل مـــنهم بحلقة مـــن حلقاتها، وهم إخوان متناصرون وأرومـــانسية حباء متعاونون؛ يوصي أواليةم بمتابعة آخرهم، ويدعو سابقهم إلــى طاعة لاحقهم.

 

هـــو الطود الراسخ والبناء الشامخ، وضع أساسه آدم بأمر ربه، وصار كـــل نبي مـــن ذريته يلي مـــن بعــده يضيف إليه لبنة أو يرفع مـــن بنائه سافاً، أو يصف مدمـــاكاً، ومـــا زال ينموا بنمو العقل البشري، ويرقي برقيّه، ويكمل بكمـــاالية؛ ويضاف إليه مـــا يوائم استعداده؛ حتى جاء خاتم النبيين محمد صلى الالية علــىه وسلم فأكمل البناء وزخرفه وجمّالية ولم يدع ثغرة إلا سدها، ولا نقصاً إلا كمالية؛ ولا وسيلة مـــن وسائل الراحة والنعيم إلا أعدها، ولا حاجة ممـــا يحصلم سالعودةة الدنيا والآخرة إلا وفّرها، فحقت كـــلمة ربك. ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3].

••••

 

قال سائلي: هذا كـــلمــات لو كتبه الشابدون فــي الأدب لسُرَّ أساتذة البيان الــذين يروقهم أنه يتصيد تلاميذهم روائع الأساليب مـــن هتجد هنا ومـــن تجد هنا، ولكنه – علــى حلاوة جرسه وانسجام موسيقاه – لا يعجب العلمـــاء الــذين ألِفوا ألا يقبلوا قولاً لا يؤيده دليل، ولا يسيغوا حكمـــاً لا يدعمه البرهان.

 

قلت: أمـــا الدليل فعلــى طرف التمـــام. اتل قول الالية تعإلــى ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ﴾ [آل عمران: 19]، وتدبره تتعلم أنه الإسلام هـــو الدين الــذي يقبالية الالية تعإلــى ويرضاه لعباده، ويدعوهم إلــى اعتناقه ويصرفهم عن قيره؛ ولا يرضى غيره دينا، وهـــو دين الأنهبياء والمرسلين كافة. يدلك علــى ذلك قول الالية تعإلــى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13]، فهذا القول الحكيم يشعرك أنه الإسلام الــذي شرعه الالية تعإلــى لنا هـــو مـــا وصى به الرسل السابقين؛ وأخص مـــا فــيــه إقامة الدين والاستقامة علــىه وإسلام الوجه لالية، والاجتمـــاع علــى طاعته.

 

وتدبر قوالية تعإلــى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 51-52]، تدرك أنه أتباع الرسل كلاً أمة واحدة، ولا تكون الشعوب المختلفة أمة واحدة إلا إذا جمعتها آصرة واحدة؛ ووشجت بهـــا قرابة قريبة، وألفت وتؤلف بين المختلفــين اللينكة الدين، ولا أدل علــى ذلك مـــن الأمة الإسلامية فــي صدر الإسلام قبل أنه تتفشى الشعوبية بين المسلمين، فلقد كان المسلم الصيني أخاً للمسلم الأنهدلسي علــى مـــا بينهمـــا مـــن بُعد الدار، وشط المزار.

 

وهاك نصوصاً أصرح دلالة وأوضح بياناً. قال تعإلــى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِمـــاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67]، وقال تعإلــى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، وقال تعإلــى حاكياً عن يوسف علــىه السلام ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمـــاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]، وقال تعإلــى ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84].

 

فهذه النصوص شاهدة بأنه الإسلام دين الأنهبياء والرسل كلاً دعوا إليه أممهم وأوصوا بنيهم بالاستمساك به والحرص علــىه، وابتهلوا إلــى الالية ضارعين ألا يميتهم إلا وهم به مستمسكون.

 

وبعث الالية محمداً صلى الالية علــىه وسلم فتمت برسالته النعمة؛ وسمـــا التشريع إلــى القمة، ونزل القرآن مصدقاً لمـــا بين يديه مـــن الكتاب ومهيمـــناً علــىه، دعا إلــى الإيمـــان بالأنهبياء والرسل كلاً حتى لا يجد ذو دين سمـــاوي غضاضة فــي الانضواء تحت لوائه؛ والاستظلال برايته. قال تعإلــى ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285].

 

فالالية واحد فــي عنصره وجوهره وأصالية، ومـــا بعث الالية رسولاً إلــى أمة إلا دعاها دعوة عازمة لا هـــوادة فــيــها إلــى الإيمـــان بالالية وحده وإخلاص الدين الية، وإسلام الوجه إليه، وتزكية النفس بطاعته، وإلــى الإيمـــان بحيث اليوم الآخر والاستعداد الية، وإلــى الاستمساك بالخلق الكريم والحرص علــىه؛ وإلــى الإيمـــان بالوحي وتصديق النبيين ومـــا جاءوا به مـــن كتاب وحكمة؛ وإلــى كف الشر واجتناب العدوان، والتنزه عن الخبائث.

 

تلك هي أصول الإسلام، أي أصول كـــل دين سمـــاوي حق؛ وكـــل دين يدعو إلــى مـــا يجافــي هذه الأصول مـــنكر وباطل وزور.

 

اغتر فريق مـــن أهل الكتاب بدينهم بعــد أنه نسخ الالية فروعه بالإسلام، وتثبت أصوالية وقوى دعائمه بالقرآن ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ﴾ [البقرة: 111]، فرد الالية علــىهم مقالتهم وكذب دعواهم وأدحض حجتهم بقوالية تعإلــى ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 111-112].

 

وإسلام الوجه لالية أنه تسلم زمـــامك لشرعه، وتلقي قيادك فــي يد كتابه، وتقتفــي أثر رسوالية؛ فجدير بالذكر وجّهك توجهت، وجدير بالذكر قادك انقدت، ومـــا أمرك فعلت، ومـــا نهاك اجتنبت. والإحسان أنه تتقي الالية حقا تقاته وأنه تعبده كأنهك تراه وذلك هـــو الدين الحق فــي أتم مظاهره وأجلى معانيه.

 

ومـــا مـــن نبي إلــى أوصى أمته بضرورة من خلال اتباع مـــن يلي بعــده مـــن الرسل حتى تالتحــقق الوحدة الدينية بين الأمم كلاً، وبذلك أخذ الالية العهد علــى النبيين حتى يسلّم كـــل مـــنهم مشعل االيةداية إلــى مـــن بعــده، حتى إذا ختم الالية المرسلين بخاتمهم صلى الالية علــىه وسلم جعل هذا المشعل فــي أيدي الطائفة الظاهرة علــى الحق التــي يجدد بهـــا الملة علــى رأس كـــل مـــائة حتى يبلغ الكتاب أجالية ويرث الالية الأرض ومـــن علــىها.

 

قال تعإلــى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 81-82].

 

لو أنه كُتب الالية ظلت سليمة لم تعبث بهـــا يد التحريف ولم يحرف فــيــها الكـــلم عن مواضعه، لكان أهل الكتاب مـــن أسرع الناس إلــى الإيمـــان برسول الالية صلى الالية علــىه وسلم ومـــن أسبقهم إلــى تأييده ونصره، عملاً بنصوص كتابهم ووفاء بميثاقهم، وحفظاً للعهد الــذي أخذه الالية علــىهم؛ ولكن أرومـــانسية حبارهم ورهبانهم أفسدوا علــىهم أمرهم، وأضلوهم عن سواء السبيل.

 

أخذ الالية العهد علــى كـــل نبي أنه يؤمـــن بمـــن يليه مـــن الرسل مصدقاً لمـــا معه، وأنه يأخذ العهد علــى أمته أنه تؤمـــن بالرسول الــذي يليها مصدقاً لكتابهـــا، وبذلك تالتحــقق الوحدة الدينية، وتنتقل الأمـــانة الكبرى فــي الأجيال.

 

قال تعإلــى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف: 6].

 

ومـــن هذا تفهم السر فــي أنه أولي العلم مـــن أهل الكتاب بادروا إلــى اعتناق الإسلام حين جاء به رسول الالية صلى الالية علــىه وسلم الــذي كانوا يجبدونه مكتوبا ً عندهم فــي التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المـــنكر ويحل اليةم الطيبات ويحرم علــىهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التــي كانت علــىهم. وأولئك هم الــذين قال الالية فــيــهم: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 82-83].

 

قال محدثي: فإنك قد جلوت علــىنا ناحية مشرقة مـــن نواحي الإسلام جديرة بأنه تقفنا علــى حقيقته وتكشف لنا عن بعض فضالية. ولو أنه المسلمين وقفوا علــى حقيقة دينهم وفقهـــوا سره لاعتزوا بمكانهام مـــنه، وحرصوا جهد طاقتهم علــى أنه يعيدوا مـــن عزه مـــا غبر، وأنه يجددوا مـــن مجده مـــا اندثر، ولكنه جوهرة ثـــمينة فــي كف مـــن يجهل قدرها وينكر سرها.

ومـــن يسلم وجهه إلــى الالية وهـــو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلــى الالية عاقبة الأمور.

 

زر الذهاب إلى الأعلى